فوزي آل سيف
74
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
وقد نقل هذا الحديث في مصادر الإمامية[156]عن أمير المؤمنين عليه السلام، بصيغ متعددة، مما قد يعني أن الإمام عليه السلام قد ذكره في مواضع ومناسبات متعددة، بتفصيل تارة وباختصار أخرى، وبتغيير بعض الكلمات ثالثة.. فقد نقل، عن الشهيد زيد بن علي بن الحسين، عن أمير المؤمنين أنه قال: "لَا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا وَلَا يَكُنْ بُغْضُكَ تَلَفًا، أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا". ومعنى الكَلَف، كما قال في معجم مقاييس اللغة: هو الايلاع بالشيء والتعلق به، تقول قد كلف بالأمر.. وتوضيحه: ألّا تتولع بحب شخص بحيث تتعلق به تعلقا ينسيك غيره، ولا تصبر عنه، مثلما يكون الطفل الصغير كلِفا بحب أمه فلا يستغني عنها وبالعكس! كما أنه لا يصح أن يكون بغضك لأحد متلفًا لأعصابك ومنكدا لمعيشتك، فلا تهنأ بحياة من شدة بغضك إياه! بل توسط في الأمرين. فإنه لا شيء بالضرورة مستمر، فقد يتغير الشخص الذي كلفت بحبه، وينصرف عنك! أو ينحرف بحيث لا تجد سبيلًا إلا أن تنفصل عنه.. وفي المقابل فإن من كنت تبغضه بغضًا متلفًا لحياتك، قد تتغير الظروف فإذا به يصبح قريبًا إليك وصديقًا فماذا تصنع بحقدك السابق المتلف؟ هل نحب مخالفينا في الدين والمذهب؟ من هذا ينبغي أن نعلم أن ما يحكم علاقة المؤمن بالمختلفين معه في الدين أو المذهب لا ينبغي أن يكون نتيجة الحقد! وإنما ينقسم الموقف معهم بحسب موقعهم، فما لم يكونوا من (أئمة الكفر) الذين تصدوا مع سبق الاصرار والتعمد لإضلال خلق الله عن سبيله لمصالح دنيوية، وشهوات زائلة! وأباطيل.. فما لم يكونوا من هذا القسم، ينبغي أن أكون رفيقا بهم وأتمنى لهم الخير وأسعى لإخراجهم مما هم فيه من الضلال، وهذا لا يقتضي الحقد بحال، وإنما يقتضي الرحمة والرأفة. إن المؤمن هنا لأنه يعتقد كونه على الصواب، ويعيش الراحة النفسية والدينية، فإنه يتمنى لو أن البشر جميعًا قد اهتدوا إلى هذا الدين وساروا على المنهج الذي هو عليه.. يتمنى لو تعرف الناس جميعا على سير النبي وآله، حتى يعيشوا الحياة الطيبة في الدنيا ويكونوا من أهل الجنة في القيامة، وبالطبع هذا لا ينسجم مع شعور الحقد والبغض! ولذلك نحن نعتقد أن من يخرج ـ وأحيانا على الفضائيات ـ ليدعو على مخالفيه في الدين أو المذهب، من عامة الناس الذين لهم قابلية الهداية لو وصل إليهم المنهج الصحيح بأساليبه السليمة، فإنهم سيسارعون كما فعل غيرهم قديمًا وحديثًا.. وبدلا من ذلك حينما يقوم هذا الشخص بالدعاء عليهم، والتكفير لهم وربما دعا عليهم بالهلاك فإنه لا يمثل خلق الرحمة التي اتصف بها الله سبحانه، وجاء بها النبي الكريم، وأمر بها قادة الدين [157].
--> 156 الري شهري؛ الشيخ محمد: ميزان الحكمة 3 /1980 157 ) من العجيب أن بعض هؤلاء من مذهب اسلامي معين، يدعو على مخالفيه من مذهب آخر أريت بعض هؤلاء الذين يعتمرون الزي الديني، قد يكونون ضالين أو يكونون مدفوعين. قد ظهر في إحدى القنوات رافعا يده بالدعاء على من؟ على مذهب إسلامي آخر، على عامة الناس: اللهم أرسل عليهم الوباء، اللهم أرسل عليهم السرطان، اللهم جفف الدماء في عروقهم، اللهم كذا كذا. رويدك! هوّن على نفسك. إنه يُخشى عليه من جلطة قلبية على الهواء مباشرة.